يكتب الدكتور مصطفى فتوري أن طرابلس، المدينة التي ارتبط اسمها طويلًا بالميليشيات وانقطاع الكهرباء والشلل المؤسسي، تشهد مفارقة لافتة؛ إذ تتحول، رغم التهديد الدائم باندلاع صراع جديد، إلى مركز غير متوقع للابتكار الرقمي.

 

تظهر مساحات عمل مشتركة في أماكن كانت مكاتب مدمّرة، وتطرح شركات ناشئة حلولًا تكنولوجية لأزمات السيولة، بينما تمتلئ وسائل التواصل بالحديث عن “لحظة تقنية ليبية”. في هذا المشهد، لا يبدو الحلم الرقمي مستوردًا بقدر ما يعكس اندفاعًا محليًا لدى جيل شاب يحاول البناء والتكيّف في بيئة قاسية.

 

يشير ميدل إيست مونيتور إلى أن ليبيا تُعد دولة شابة سكانيًا، إذ يشكّل من هم دون 35 عامًا الغالبية، وهم جيل نشأ وسط الاضطراب والتغيّر السريع. يتعامل هؤلاء مع التكنولوجيا بوصفها أداة عملية لا وعدًا نظريًا؛ وسيلة للدخل والاتصال وخلق الفرص في ظل انهيار المسارات التقليدية للعمل. من هنا، تعكس طرابلس الرقمية طاقة محلية تسعى إلى سد الفراغ بدل انتظار عودة الدولة.

 

اقتصاد الحاجة: التكنولوجيا كبديل عن الدولة

 

اكتسب خطاب “النهضة التكنولوجية” في طرابلس زخمًا متزايدًا، إذ أصبحت الابتكارات الرقمية رمزًا للأمل في مواجهة الجمود السياسي. في الخطابات الرسمية ودوائر الشركات الناشئة، تُقدَّم التكنولوجيا بوصفها بديلًا عمليًا عن مؤسسات غائبة. توسّع الوصول إلى الإنترنت، حيث يستخدم أكثر من 70% من الليبيين الهواتف المحمولة ويتصل نحو 60% منهم بالإنترنت، ما أتاح قاعدة واسعة للتطبيقات والخدمات الرقمية.

 

يعاني النظام المصرفي من شح السيولة وتراجع الثقة، الأمر الذي دفع مصرف ليبيا المركزي إلى تشجيع المدفوعات الإلكترونية. في 2025، أعلن المسؤولون ارتفاع عدد نقاط البيع بنحو 92% وزيادة المعاملات الإلكترونية بنحو 75% سنويًا، في محاولة لتخفيف الاعتماد على النقد. ورغم بقاء الاقتصاد معتمدًا على النفط والغاز، واحتكار القطاع العام لمعظم الوظائف، وجد الفاعلون الخاصون فرصتهم في الفجوات، حيث أدت التكنولوجيا دور الوسيط بين الناس واحتياجاتهم اليومية.

 

ابتكار يومي من النقل إلى التجارة الرقمية

 

برزت تطبيقات النقل التشاركي مثل “تيربو”، الذي يعمل كنموذج محلي لأوبر، ملبّيًا حاجة طالما افتقدها سوق سيارات الأجرة غير المنظم. في الوقت نفسه، انتشرت المتاجر الإلكترونية الصغيرة، حيث يبيع مئات التجار عبر فيسبوك وإنستاجرام، مستخدمين الرسائل لتلقي الطلبات وشبكات توصيل غير رسمية. هكذا تشكّل نظام تجارة إلكترونية شعبي قبل صدور أي قانون منظم.

 

تتجلى هذه الحيوية الرقمية في شوارع طرابلس وعلى الإنترنت، مع إطلاق تطبيقات لتوصيل الطعام والخدمات اللوجستية، وازدهار العمل الحر في التصميم والبرمجة وإدارة المحتوى. تشارك النساء بوضوح في هذا المشهد، سواء عبر متاجر إلكترونية أو عمل حر أو مساحات عمل مشتركة وبرامج تدريب، ما يعكس تحولًا اجتماعيًا لافتًا. تؤدي هذه المساحات دورًا يتجاوز العمل، إذ توفر بيئات للتجريب وبناء الشبكات وتعزيز الإحساس بالقدرة على الفعل في مجتمع محدود الفرص التقليدية.

 

آفاق واعدة وسط هشاشة مستمرة

 

رغم هذا الزخم، يظل النظام الرقمي في طرابلس هشًا، إذ يعتمد على ترتيبات غير رسمية وثقة شخصية بدل أطر قانونية واضحة. يغيب قانون شامل للتجارة الإلكترونية، ما يحدّ من حماية المستهلك والبيانات ويثني المستثمرين الكبار. لا تزال الاستثمارات محدودة، وإن شكّل جمع شركة “مَتاع” أكثر من 100 ألف دولار في 2024 حدثًا رمزيًا، كما دعمت برامج احتضان، بينها مبادرات أوروبية، عشرات الشركات الناشئة بمبالغ صغيرة، ما يعكس اهتمامًا متناميًا.

 

تواجه أنظمة الدفع أعطالًا متقطعة، وتعاني شبكات التوصيل من ضعف البنية التحتية، لكن الإمكانات تبقى كبيرة بفضل مجتمع شاب متعلم رقميًا ومستعد للتجربة. تبدو قطاعات التكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والنقل عند الطلب، والتجارة عبر وسائل التواصل من أكثر المجالات قابلية للنمو، لأنها تستجيب مباشرة لقيود الاقتصاد النقدي وعدم انتظام الخدمات العامة.

 

يخلص فتوري إلى أن مشهد طرابلس الرقمي يكشف حقيقة أوسع عن ليبيا: رغم عدم الاستقرار، يواصل شبابها الابتكار وإعادة تعريف العمل والتجارة والعلاقات الاجتماعية. التحديات حاضرة، من فراغ تنظيمي وبنية تحتية ضعيفة إلى استثمار محدود، لكن الإبداع والمرونة والطموح توحي بأن بذور اقتصاد رقمي مستدام بدأت تنمو. إذا توافرت سياسات أوضح ودعم استثماري تدريجي، قد تتحول طرابلس من مدينة تصارع أزماتها إلى نموذج لابتكار يزدهر رغم الصعاب.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260101-despite-war-threats-youth-revive-tripoli/